مرحبًا بالحياة! مرحبًا بكِ يا “حياة” الصغيرة

نشر في:

في صباح الخميس الماضي، وصلت ابنتي وانتصرت على الخوف وعلى كل التوقعات. أسميناها “حياة” لأن ولادتها انتصار للحياة في ظل الموت والدمار الذي نعيشه يوميًا في غزة.

مع اللمسة الأولى، سافرت بعقلي وشاهدت ٨٠ يومًا من القصف والتشريد والجوع والعطش. تحولت الحياة، التي كانت في يوم من الأيام شبه عادية، إلى جهنم على الأرض بعد السابع من أكتوبر.

مع دخول زوجتي أسيل الشهر الثامن من الحمل، بدأنا التحضير لقدوم الطفلة: أعددنا غرفتها، استشرنا الأطباء، ناقشنا الأسماء، وجهّزنا ابنتنا الكبرى، روز، البالغة من العمر عامًا ونصف لدورها كأختٍ كبيرة.

غير أن هذه التحضيرات دمرتها الصواريخ الإسرائيلية الأولى التي سقطت، وتلتها عاصفة من الصواريخ أجبرتنا على الفرار من منزلنا، تاركين وراءنا التحضيرات والذكريات وأحلامًا عزيزة وذهبنا لمصير غير مؤكد.

تم تدمير منزلنا في شمال غرب مدينة غزة، لذا انتقلنا إلى منزل أقاربنا في شرق المدينة. ولكن حتى هناك لم يكن الوضع آمنًا، و اضطررنا للانتقال من مكان إلى آخر في مناطق مختلفة من غزة، كل ذلك في سعي عقيم بحثاً عن الأمان.

ليلتنا الأكثر ترهيباً ورعباً كانت عندما ذهبنا للإقامة في منزل صديق لنا بالقرب من مستشفى الشفاء. كنا نعتقد أن اللجوء إلى مستشفى غزة الرئيسي سيكون آمنًا، ولكننا وجدنا أنفسنا أمام ليلة فظيعة مليئة بالشظايا والحجارة والزجاج المتناثر، جنبًا إلى جنب مع ١٥ شخصًا آخرين.

احتضنت روز الصغيرة وجلست بجوار زوجتي ونحن جميعًا نتساءل إذا كانت هذه اللحظات ستكون لحظات حياتنا الأخيرة! عند الفجر، انطلقنا مرة أخرى في الرحلة الخطرة إلى منزل أقاربنا في المنطقة الشرقية.

وسط كل هذه المخاوف، كان قلقي الأعمق حول ولادة طفلتنا القادمة وصحة زوجتي التي كانت في شهرها التاسع. زادت مخاوفنا عندما شهدنا على استهداف المستشفيات التي كنا قد ذهبنا إليها للولادة، بما في ذلك مستشفى الشفاء ومستشفى النصر للأطفال ومستشفى الرنتيسي.

كان النوم مستحيلاً، كانت تدور بعقلي سيناريوهات مختلفة: “كيف ستلد زوجتي؟ ماذا لو كانت الولادة القيصرية ضرورية؟ كيف ستعيش طفلتنا الرضيعة في هذه الظروف الرهيبة؟”

بعد ٥٢ يومًا، قررنا الانتقال جنوبًا كما تم إعلامنا من قبل الجيش الإسرائيلي. في ذلك الصباح، جنبًا إلى جنب مع زوجتي الحامل، انطلقنا سيرًا على الأقدام حاملين هوياتنا فقط وبدل ملابس واحد لروز. كانت الرحلة نحو ما يسمى “ممر آمن” تعج بجنود ودبابات إسرائيلية كشهود زور على ما يحصل هنا.

رافعين الأعلام البيضاء والأيادي، مررنا من خلال الحاجز الإسرائيلي. لحظات من حبس الأنفاس يتبعها ارتياح تدريجي بينما كنا نبتعد عن الحاجز.

كان صمود زوجتي عظيماً، ولكن بعد أن سارت لأكثر من ٢٠ كيلومترًا، اضطررنا أخيرًا أن نبحث عن عربة حمار للمضي في بقية الطريق إلى دير البلح، حيث تمكنا من الإقامة مع الأقارب. كانت أيامنا تشبه تجربة العائلات النازحة من حولنا – بحث في الصباح الباكر عن القمح والمعلبات وحليب الأطفال وغيرها من الضروريات، وخوف ورعب في الليل.

تحولت أفكاري من القلق بشأن تأخر ولادة زوجتي إلى محاولة تأمين الضروريات للطفل، وببساطة إدارة التزامات الحياة اليومية في ظل حالة من الاضطراب المستمر. كنت أكافح لفهم ما يحدث. كيف يمكن لشاب يبدأ حياته العائلية أن يكون شاهدًا على مثل هذه الفوضى؟ لقد غرقت أحلامنا وطموحاتنا وجهودنا الشاقة بجنون من حولنا.

كثيرًا ما فكرت في نصيحة الطبيب بتضمين أشياء حلوة في نظام غذاء أسيل مثل الكوكيز والشوكولاتة والتمر. مع استمرار الحرب، أصبحت هذه الحلويات الصغيرة موجودة فقط في أحلامنا.

وفي وسط هذه الصعوبات، جلبت ولادة ابنتي لنا الحياة وقليلاً من الضوء في الظلام. وجودها دفع ضد خوفنا المستمر من الموت، مبرهنةً أن الأمل يمكن أن يستمر مهما كانت الظروف. ولـ”حياة” أقول:

“مرحبًا بالحياة! مرحبًا بكِ يا “حياة” الصغيرة.”

OUR BLOG

Related

English في هذا السجل، ستقدم أنيرا تحديثات حول الوضع المتغير في فلسطين و استجابتنا. يرجى متابعة هذه الصفحة للحصول على أحدث المعلومات. 28 شباط 2024 ستة من مطابخ أنيرا المجتمعية (تكية) كانت تعمل اليوم وأعدت مجموع يبلغ 105,300 وجبة. كما…

Read More

الدولة المتوسطية تسجل معدلات تضخم بثلاثة أرقام مرة أخرى في عام 2023 بينما يتصارع العالم أجمع مع الأزمات الاقتصادية، يجد لبنان نفسهُ متورطًا في وضعٍ اقتصاديٍ مأساوي، يتميز بمعدلات تضخم مذهلة التي لا تزال توبئ قاطنيه. وفقًا لبيانات حديثة جمعتها…

Read More

لا ينبغي للأمن الغذائي أن يكون مثيراً للجدل! ذكر سامي مطر، أحد موظفي أنيرا في غزة، أن صديقًا له، ما زال في شمال قطاع غزة، قد خسر ابنه البالغ من العمر ست سنوات الذي توفي للتو جوعًا. كما ذكر سامي…

Read More

تبرع اليوم وغير حياة إنسان إلى الأبد